فخر الدين الرازي
150
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 51 إلى 56 ] وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ( 51 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ( 52 ) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 53 ) قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 ) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( 55 ) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ( 56 ) [ في قوله تعالى وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير ، في قوله : وَنَبِّئْهُمْ راجع إلى قوله : عِبادِي والتقدير : ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم ، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا / أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبإنجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار . المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة . فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟ قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك . وقيل أيضا : إن من يدخل دار الإنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفا وإن لم يأكل ، وقوله تعالى : إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما ، فقال إبراهيم : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي خائفون ، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل . وقيل : لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ الحسن : لا تَوْجَلْ بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه . وقرئ لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود . وقوله : قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فيه أبحاث : البحث الأول : قرأ حمزة : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بفتح النون ، وتخفيف الباء ، والباقون : نُبَشِّرُكَ بالتشديد . البحث الثاني : قوله : إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ، والمعنى : أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل . البحث الثالث : قوله : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ بشروه بأمرين : أحدهما : أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليما ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل : بشروه بنبوته بعده . وقيل : بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى اللّه